الحكيم الترمذي

26

كيفية السلوك إلى رب العالمين

وكل علم هو أرفع فموضعه في القلب هو أكنّ وأخصّ وأحرز وأخفى وأستر ، ولكن ذكر اسم القلب ينوب عن ذكر سائر المقامات عند عامة الناس . ولكن الصدر في القلب هو في المقام من القلب بمنزلة بياض العين في العين ، ومثل صحن الدار في الدار ، ومثل الذي يحوط بمكة ، ومثل موضع الماء في القنديل ، ومثل القشر الأعلى من اللوز الذي يخرج اللوز منه إذا يبس في الشجر . فهذا الصدر موضع دخول الوسواس والآفات ، كما يعيب بياض العين آفة البثور وهيجان العرق وسائر علل الرمد ، وكما يوضع في صحن الدار من الحطب والقماشات ، ويدخل فيها كل أحد من الأجانب أحيانا ، وكما يدخل السباع والبهائم في ساحة الحرم ، وكما يقع فوق الماء في القنديل الفراش وغيره ، وإن كان فوق الماء دهن فأسفل موضعه الماء ، وكما تدل القملة والبعوض والذباب في قشر اللوز الذي هو أعلى إذا انشقّ حتى صارت الهوامّ الصغار يدخلن فيه . والذي يدخل في الصدر قلما يشعر به في حينه ، وهو موضع دخول الغل والشهوات والمنى والحاجات ، وإنه يضيق أحيانا وينشرح أحيانا ، وهو موضع ولاية النفس الأمّارة بالسوء ولها فيه مدخل وتتكلف أشياء وتتكبر وتظهر القدرة من نفسها . وهو موضع نور الإسلام ، وهو موضع حفظ العلم المسموع الذي يتعلم من علم الأحكام والأخبار وكل ما يعبّر عنه بلسان العبارة ، ويكون أول سبب الوصول إليه التعلم والسمع . وإنما سمّي صدرا لأنه صدر القلب ، وأول مقامه كصدر النهار الذي هو أوله ، أو كصحن الدار الذي هو أول موضع منها . ويصدر منه وساوس الحوائج ، وفكر الأشغال تصدر منه إلى القلب أيضا إذا استقرت وطالت المدة . وأما القلب فهو المقام الثاني فيه ، وهو داخل الصدر ، وهو كسواد العين الذي هو داخل العين ، وهو البياض ، وكبلد مكة الذي هو داخل الحرم ، وكموضع الفتيلة من القنديل ، وكالبيت داخل الدار ، وكاللوز داخل القشر الأعلى . وهو معدن نور الإيمان ونور الخشوع والتقوى والمحبة والرضا واليقين والخوف والرجاء والصبر والقناعة . وهو معدن أصول العلم لأنه مثل عين الماء والصدر مثل الخوض ، يخرج من العين إليه الماء ، كالصدر يخرج من القلب إليه العلم ، أو يدخل من طريق السمع إليه . والقلب يهيج منه اليقين والعلم والنية ، حتى يخرج إلى الصدر . فالقلب هو الأصل والصدر هو الفرع ،